أطروحة الحسين ولد محنض: إعادة بناء السردية المرابطية من قلب الصحراء

في لحظةٍ أكاديمية فارقة، ناقش الدكتور الحسين ولد محنض أطروحته الموسومة بـ “تاريخ دولة المرابطين في بلاد شنقيط ومنطقة غرب الصحراء من النشأة إلى العهد الحساني”، مقدِّمًا عملاً بحثيًا يتجاوز مجرد التوثيق إلى تفكيك البنية المعرفية التي حكمت دراسة المرابطين لقرون.
الأطروحة لا تكتفي بإعادة قراءة النصوص، بل تمارس نقدًا إبستمولوجيًا للمدرسة التاريخية الوسيطة والمعاصرة معًا، واضعةً ما يقارب عشر مسلّمات كبرى تحت مجهر التحقيق المقارن.
أولاً: من المركز المغربي إلى المركز الصحراوي
السردية التقليدية حصرت ثقل الدولة المرابطية في الشمال المغربي والأندلسي، بينما تضع هذه الأطروحة الجنوب الشنقيطي في موقع الفاعل المؤسس لا التابع. فالدولة الصحراوية – بحسب الدراسة –:
وحّدت الفضاء الصحراوي سياسياً.
فتحت مملكة غانة ووسعت نطاق الإسلام غرب إفريقيا.
بسطت نفوذها على مجال جغرافي يفوق مساحة المغرب والأندلس مجتمعين.
هذا التحول ليس جغرافيًا فقط، بل تحول في مركز الثقل الحضاري.
ثانيًا: مراجعة عشر مسلّمات تاريخية
1) الأصل الحميري لصنهاجة
تدعيم أطروحة الأصل اليمني بأدلة إضافية، من بينها ربط “الأنباط الحميريين” بهجرات قديمة نحو الصحراء.
2) تفسير “البتر والبرانس”
نقض القراءة الشكلية المرتبطة باللباس، وتقديم تفسير تاريخي مرتبط بالسياقات العرقية والسياسية.
3) مادية الرباط
إثبات أن رباط المرابطين كان مؤسسة مادية قائمة – في جزيرة تيدره تحديدًا – لا مجرد مفهوم روحي.
4) أمة قمنورية
إعادة تعريفها باعتبارها “كنار”، وتحديد عاصمتها التاريخية في نكجير شمال شنقيط.
5) لغز شعب بافور
إدماجهم ضمن هوارة الأمازيغية بدل اعتبارهم كيانًا غامضًا مستقلًا.
6) ملوك غانة الأوائل
تفنيد أطروحة الأصل اليهودي البرقاوي، وإثبات انتمائهم إلى شعب أمازيغي محلي (أغرمان).
7) تصحيح موقع عاصمة المرابطين “آزوكي”
اعتبارها في “گوگدم” شمال شرق الصحراء الشنقيطية، لا في آدرار كما شاع.
8) تاريخ استشهاد أبي بكر بن عمر
تصحيح سنة الوفاة إلى 468هـ/1076م خلافًا لما اعتمدته مصادر لاحقة.
9) استمرار الدولة الصحراوية بعد أبي بكر
إثبات استمرارية الكيان السياسي وعدم انقطاعه باستشهاده.
10) فتح غانة
تأكيد الغزو والفتح بأدلة مضادة لقراءة المدرسة الغربية المعاصرة.
ثالثًا: المنهجية – من النقل إلى النقد
قوة العمل لا تكمن فقط في نتائجه، بل في أدواته:
المقارنة بين المصادر الوسيطة.
إعادة قراءة النصوص الجغرافية (كالإدريسي وغيره) ضمن سياقها.
تفكيك الروايات المتكررة.
إخضاع “المشهور” لاختبار الدليل.
هنا ينتقل التاريخ من سلطة الشيوع إلى سلطة البرهان.
رابعًا: الأثر المعرفي المتوقع
إذا ما تم نشر هذه الأطروحة وتداولها أكاديميًا، فإنها قد تُحدث:
إعادة ترتيب أولويات البحث في تاريخ الصحراء الغربية.
مراجعة مقررات التاريخ الوسيط في المنطقة.
تعزيز مركزية بلاد شنقيط في تاريخ الإسلام غرب إفريقيا.
إعادة تقييم دور المرابطين في الدينامية الحضارية الصحراوية.
الخلاصة
هذه الدراسة ليست مجرد إضافة كمية للمكتبة التاريخية، بل محاولة لـ تحرير العقل التاريخي من نمط التلقي التسليمي.
فالتاريخ – كما تؤكد الأطروحة ضمنيًا – لا يُصان بالتقديس، بل بالمراجعة؛ ولا يُحفظ بالتكرار، بل بالتحقيق.
وإذا كان علم التاريخ في موريتانيا يشهد اليوم حراكًا بحثيًا متصاعدًا، فإن هذا العمل قد يشكّل إحدى علاماته الفارقة، لأنه يعيد سؤالًا بسيطًا لكنه جوهري:
هل نكتب التاريخ كما وُرِث، أم كما ثبُت؟
تم النشر بتصرف في لغة الخبر









