اقتصاد

هل يمكن للدعم الخارجي أن يساعد في تخطي مصر لأزمتها الاقتصادية؟

Advertisements

تتفاوت أداء الدول الأجنبية في دعم الاقتصاد المصري على مر الزمن، وذلك خاصة في الفترات التي تتزامن فيها المواقف السياسية لمصر مع تلك الدول الداعمة. ومن بين هذه المراحل، يبرز دعم الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين لمصر في مطلع التسعينيات. وقد أتاحت هذه الدعوم لمصر الحصول على دعم كبير، مثل تخفيض الديون الخارجية بنسبة 50%، بالإضافة إلى توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، مما ساعدها في تجاوز أزمة المديونية الخارجية.

مع ذلك، تظهر تذبذب موقف الولايات المتحدة من وقت إلى آخر، حيث قامت بحجب جزء من المعونة المالية لمصر في عام 2023 بسبب قضايا حقوق الإنسان. وعليه، يصبح من المهم فحص تفاصيل الدعم الخارجي لمصر في ظل تلك التقلبات، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية.

تشير الإحصائيات إلى أن أكبر دعم خارجي لمصر جاء من الدول الخليجية في 2013 و2014، والذي قُدر بنحو 95.8 مليار جنيه. وقد تنوعت صور الدعم بين الدعم النقدي والدعم العيني، سواء من خلال صفقات النفط أو تمويل المشروعات التنموية.

لا يقتصر الدعم الخارجي على المنح والاستثمارات، بل فُتحت أبواب الاقتراض الخارجي بشكل كبير لمصر، حيث حصلت على قروض من مؤسسات دولية وإقليمية، بالإضافة إلى الاقتراض من أسواق المال الدولية. وتشير بيانات البنك المركزي إلى زيادة الدين الخارجي لمصر إلى 165 مليار دولار بنهاية 2023.

تلعب الودائع الخليجية دورًا مهمًا في تعزيز النقد الأجنبي في مصر، حيث بلغت هذه الودائع ما يقارب 18 مليار دولار منذ 2013/2014. ورغم أن جزءًا كبيرًا من هذه الودائع لم يحمل فوائد لفترة زمنية، إلا أن المرونة المالية تتيح لمصر تأجيل سدادها، مما يمنحها فرصًا لاستمرار الاستفادة من دعم دول الخليج دون إلحاق الضرر بعلاقاتها الدولية.

مساندة أميركية

في تصريح حديث، أعلنت وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، عن تأكيد قوة دعم الولايات المتحدة لمصر وبرنامجها للإصلاح الاقتصادي. وفي هذا السياق، أكدت على التزام الولايات المتحدة بتعزيز الاقتصاد المصري ودعم النمو الشامل والمستدام. وأشارت يلين إلى استعداد وزارة الخزانة الأميركية لتعزيز التعاون الوثيق مع مصر في القضايا الثنائية والإقليمية.

تأتي هذه التصريحات في ظل التطورات الحالية التي تشهدها قطاع غزة نتيجة للعدوان الإسرائيلي، مع التركيز على مشكلة معبر رفح الحدودي بين فلسطين ومصر. وقد صرح وزير الخارجية المصري سامح شكري بأن تمرير المساعدات للشعب الفلسطيني في غزة يتطلب موافقة الجانب الإسرائيلي، مما أدى إلى أزمة إنسانية خطيرة تتعلق بنقص الغذاء والدواء في ظل تدمير المنازل والمدارس والمستشفيات.

في سياق آخر، يبرز في العلاقات الدولية حقيقة أن التقديم والتلقي في هذا السياق ليسا محدودين إلى الجوانب الاقتصادية فقط، وقد يكون لهما أبعادٌ سياسية. وهذا يثير قلق المراقبين حيال طابع المصلحة السياسية التي قد تكون وراء دعم الولايات المتحدة للاقتصاد المصري، خاصةً في ظل الدور المصري في التعامل مع الأزمة الحالية في غزة.

لاحظ المراقبون أيضاً أن إعلان الدعم الاقتصادي جاء من وزيرة الخزانة، وأن هذا الدعم يشمل التعاون في القضايا الثنائية والإقليمية، مما يعزز فهمهم للدعم الأميركي كتدبير مشروط يستند إلى التعاون في مجالي الاقتصاد والسياسة.

حدود الدعم وإمكانية الخروج من الأزمة

يتسم خطاب المسؤولين الكبار في مصر حيال الأزمة الاقتصادية، بشكل عام، والأزمة التمويلية بشكل خاص، بتحميل الجوانب الرئيسية للأزمات الخارجية. فقد مر الاقتصاد المصري بتحديات كبيرة نتيجة لجائحة كورونا، وتداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، وأخيرًا تأثير العدوان الإسرائيلي على غزة. يركز المسؤولون المصريون أيضًا على الارتفاع السكاني باعتباره عاملًا هامًا يؤثر سلبًا على جهود التنمية خلال العقد الماضي.

فيما يتعلق بالدعم الأميركي، يتوقع أن يسهم في تسريع توقيت التوقيع بين مصر وصندوق النقد الدولي أو زيادة قيمة القرض. وتشير تقارير إلى وجود محادثات بين مصر وصندوق النقد لزيادة قيمة القرض إلى حوالي 6 مليارات دولار.

أما بالنسبة للدعم الخليجي، فقد لوحظ تطور في صورة الدعم، حيث يمتلكون حصصًا في الشركات العامة المصرية بدلاً من تقديم مساعدات مالية. تعد آلية تقديم حصص من ملكية الشركات جزءًا من سياسة الحكومة المصرية، وتأتي هذه الخطوة كجزء من التوجهات الإستراتيجية الأخيرة التي تشير إلى تقديم حصص مقابل الديون.

فيما يتعلق بالمؤسسات المالية الدولية، تركز المفاوضات على قبول الحكومة لتخفيض قيمة الجنيه وتسريع برنامج خصخصة الشركات العامة. وقد تم بالفعل تخفيض قيمة الجنيه في السوق الموازية إلى أكثر من 50 جنيهًا للدولار.

إذا تم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، خاصة حول تخفيض قيمة الجنيه ورفع أسعار الفائدة، فإن ذلك سيسهم في تحسين تدفق النقد الأجنبي إلى مصر، سواء من خلال تحويلات العاملين بالخارج أو الأموال الساخنة. ومع العلم أن مصر تواجه عجزًا في صافي الأصول الأجنبية وتزامنا مع التزامات الدين الخارجي، يتطلب حلولًا مؤقتة وإجراءاتٍ فعّالة لتجاوز التحديات الاقتصادية الراهنة.

مكمن المشكلة

وفقًا للبيانات الواردة من وزارة المالية المصرية، والمعرضة في تقريرها المالي الشهري لديسمبر/كانون الأول 2023، يظهر أن نسبة الاستثمار وصافي الصادرات تتراوح حوالي 25% من الناتج المحلي الإجمالي. يُلاحظ من هذا التحليل أن اعتماد الناتج المحلي بشكل كبير على الاستهلاك، وبالتالي يتضمن نسبة مرتفعة من الواردات السلعية والخدمية.

توضح البيانات أيضًا وجود فجوة بين الاستثمارات والمدخرات المحلية، حيث بلغت نسبتها حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021/2022، وتُسد هذه الفجوة من خلال الاقتراض.

في سياق آخر، يظل العجز في الميزان التجاري قضية مستمرة، حيث بلغ 31 مليار دولار في نهاية السنة المالية 2022/2023.

تبرز أهمية الدعم الخارجي للاقتصاد المصري كوسيلة لسد الفجوات الهيكلية في أدائه، وتقليل الفجوة التمويلية إلى أدنى حد ممكن، مما يسهم في زيادة إسهام الإنتاج والتصدير في الناتج، وتقليص عجز الميزان التجاري.

ومع ذلك، يبقى السؤال المركزي حول التكلفة المرتبطة بالدعم الخارجي، سواء كانت تلك التكلفة ذات طابع سياسي أو اقتصادي.

زر الذهاب إلى الأعلى