ثقافة

رحيل العالم السوداني البارز في ميدان اللغة الحبر يوسف نور الدائم

Advertisements

في لحظة رثاء مؤلمة، غادرنا البروفيسور السوداني الرائد، الحبر يوسف نور الدائم، في أم درمان، العاصمة السودانية، أمس الأحد. رحيل هذا العالم البارز في ميدان اللغة والعلوم الإسلامية يمثل خسارة كبيرة للمجتمع الأكاديمي والديني في السودان.

وُلد الحبر يوسف نور الدائم في قرية السروراب بريف أم درمان، حيث تشكلت بيئته الأدبية والشعرية. درس في كلية الآداب بجامعة الخرطوم واستمر في مسيرة التعليم حتى حصل على الدكتوراه من جامعة أدنبرة في المملكة المتحدة.

كان البروفيسور الحبر نشطًا في الحركة الإسلامية وتميز بإسهاماته في علوم اللغة العربية. كان مشهورًا ببراعته كشاعر وعالم في علوم القرآن وتفسيره. عمل أيضًا على تقديم برامج تفسير القرآن في وسائل الإعلام المحلية.

تاركًا وراءه إرثًا علميًا وثقافيًا غنيًا، يعتبر الحبر يوسف نور الدائم خليفة للعالم الراحل البروفيسور عبد الله الطيب. تأثيره الكبير يظهر في تراثه الأدبي والديني، وسيظل ذكراه خالدة في قلوب الطلاب والعلماء الذين استفادوا من تعليمه وإرشاداته. رحم الله البروفيسور الحبر يوسف نور الدائم وأسكنه فسيح جناته.

خلال فصل الشتاء البارد، كنا نجلس في قاعة 102 بالكلية، حيث كان يقدم دروسه العلامة الحبر يوسف نور. كانت تلك اللحظات تشبه هطول المطر الغزير في صحراء مجدبة، يحولها إلى مرعى خصب وأرض بيضاء بأشجارها الخضراء. يعزى حضورنا القوي في تلك اللحظات إلى العلم الواسع لشيخنا الحبر، خاصة في مجال “الأدب الجاهلي”. كان يتميز بتفسيره العميق للآيات الكريمة بأسلوبه التواضع والأخلاق القرآنية الرفيعة، مما جعله شيخًا محترمًا يستحق الاحترام والتقدير.

كانت تجربة قراءة الأدب الجاهلي مع الدكتور الحبر في القاعة 102 في كلية الآداب بجامعة الخرطوم لحظة سعيدة. كان الدكتور الحبر، بفضل معرفته الواسعة وروحه الفكاهية، يدخل إلينا تلك القاعة الواسعة بمجموعة من الشخصيات التاريخية والأدبية. كان يرافقه سحبان وائل، وعلقمة الفحل، وسطيح الذئبي، وشق بن يسار، والمرقشان الأكبر والأصغر، وغيرهم من شعراء المعلقات. كانوا جميعًا يقفون إلى جانب شيخهم، النابغة الذبياني، الذي اشتهر بعذريته للنعمان في لاميته الشهيرة.

الدكتور الحبر يوسف يعتبر واحدًا من القلة النادرة في العالم العربي الذين يحملون الأصالة والقيم والمعرفة الحقيقية، سواء في لغته العربية وأدبها، أو في مجالات التفسير والعلوم القرآنية. كان ملمًا بالحديث النبوي الشريف، وكان يستند بجدية إلى المصادر الأصلية لهذه العلوم، رغم تراجع جودة التعليم الحالي وابتعاده عن المصادر الأساسية المبنية على الشروح والمتون، والصبر العميق الذي كان يمكنه الطالب من حفظ ألفية ابن مالك وشرحها في وقت قياسي.

شيخ الحبر، مثل كثير من أساتذة اللغة العربية في جامعة الخرطوم القديمة، كان لا يقتصر فقط على كونه مفتشًا للغة الجزلة، بل كان أيضًا شاعرًا جزلًا. كان يمتاز بشعره الجميل والمواكب للعصر، ولكنه كان محورًا في عصر مليء بالتحديات. أتذكر بخاصة قصيدته القصيرة “أنفاس القريض” التي قرأتها وقد وقفت باعتزاز أمام شيخه وأستاذه الراحل عبد الله الطيب. كان ينسب إليه القول بأنه ترك خلفه في جامعة الخرطوم تلميذه الواعد، الحبر يوسف، الذي أصبح لاحقًا رمزًا في ميدان العلم والأدب.

بالفعل، كانت فترة الدراسة في كلية الآداب بجامعة الخرطوم، وخاصةً في مجالات الكتابة والتفسير والحديث والسيرة واللغة القريض والنثر الجاهلي وسجع الكهان والأمثال، تجربة ممتعة ومفيدة للطلاب. في هذا السياق، اجتمعت شخصيات بارزة مثل عبد الله الطيب والحبر يوسف نور الدائم والمليك والواثق ومهدي المأمون في هيئة الكلية، مما أضفى على البيئة الأكاديمية رونقًا فريدًا.

قد سبق أن أُسعدت بنسخة إكرامية من كتاب “مع الفرزدق في لندن”، والتي وصلتني في لندن مع “الرياح الجنوبية”، وهي هدية كريمة من الأستاذة نفيسة كريمة، الطالبة للمؤلف عبد الرحيم الأمين. في تلك اللحظات، استرجعت تواضع شيخ الحبر وحسن استقباله للطلاب على الرغم من علو منزلته العلمية والسياسية، مما أضاف إلى ذاكرتي لحظات طلبي في الثانوية وشغفي بقراءة مجلة “الدوحة” ومتابعتي لمقالات محمد إبراهيم الشوش والنور عثمان أبكر والطيب صالح.

في تلك الفترة، كنت أتابع بشغف مقالات “شخصيات حية من الأغاني” التي كتبها محمد المنسي قنديل في مجلة “الدوحة”. ومن خلال هذه المقالات، قام بتسليط الضوء على “أيام العرب”، وخاصةً “حرب البسوس” وشخصياتها المثيرة مثل ديك الجن والشنفرى والسليك وعروة بن الورد، وغيرها. كانت هذه المقالات مرتبطة بمقرر الأدب الجاهلي الذي قدمه شيخ الحبر في قاعة 102، وأضفت تلك السياقات إلى ثراء المحتوى التعليمي.

وفي ذكره لحرب البسوس، والتي رافقها حادثة رمي ضرع الناقة بسهم، أورد المنسي قنديل قصة جساس ومحاولته استرضاء خالته البسوس بالهدايا، وكيف أنها رفضت ذلك وطلبت منه قتل بعير كليب “المدلع”، الأمر الذي أدى إلى خرق القتاد. كما أشار إلى أبيات شعرية قالتها البسوس، والتي أدت إلى تصاعد التوتر وتحولت إلى موثبات، وهو الجزء الذي بقيت أبحث عنه بعد مرور الزمن.

تذكرت أيضًا لقاءً صيفيًا بالدكتور الحبر في مكتبه بالكلية، حيث استفسرته عن تلك الموثبات. كان تواضعه واستعداده للرد على استفسارات الطلاب برغم شهرته العلمية والسياسية يظهران وضوحًا. ورغم عدم تذكره للأبيات، إلا أنه أشار إلى مراجع قد يحويها البحث، وللأسف لم أتمكن من العثور على هذه المراجع.

في ختام الحديث عن “شيخ الحبر”، يتألق كنجم نادر في سماء الفكر والنور السوداني، محتفظًا بأصالته السودانية ولغته الإنجليزية الرفيعة. يظل من بين الشخصيات النادرة التي تجمع بين العقلانية والنور في زمن الظلام، حيث نال الشرف بالدراسة في وادي سيدنا وجامعة الخرطوم، وتم ابتعاثه إلى أسكتلندا للدراسة، وعاد ليسهم في بناء وتطوير مستوى التعليم في بلاده.

تشرِّفت بالجلوس في محفل العلم والتعليم في قاعة 102، وهي القاعة التي كانت تحمل ذكرى الشيخ الحبر، قبل أن يحمل اسم الشيخ عبد الله الطيب. رغم مرور الزمن وتلاشي بعض الذكريات، يظل مشهد “البنش” الذي كنت أجلس عليه في الصف الثالث يتسلل إلى ذاكرتي، ربما لأنه كان يحمل طابعًا قديمًا ويشير إلى تفاصيل صغيرة، مثل الكسر والغبار الذي كنت أمسحه قبل الجلوس.

لا يفارقني ذكرى الزملاء الرائعين الذين كانوا يشاركونني في هذا المكان، حيث كان لكل شخص مكانه المحدد الذي لم يغيره. في هذه اللحظات، أدعو بالرحمة والمغفرة والشفاعة لأولئك الذين رحلوا من دفعتنا، ولأساتذتنا الأفاضل، وللأحياء الذين يعيشون في طاعة الله. ولن يغيب عن أفكارنا التضرع بالصلاة والسلام على خير البشر، نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم.

في لندن، خريف عام 2023، رحل عنا شيخنا الجليل الحبر يوسف، إلى رحاب الجنة وجوار النهر الذي يروي أرضها. يترك وراءه إرثًا علميًا وروحيًا يتجلى في ذكرياتنا وفي تأثيره على حياتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى