اقتصاد

تصاعد تحديات مصر في أسواق الدين بعد انسحابها من مؤشر “جيه بي مورغان

Advertisements
متاعب مصر مع أسواق الدين تتزايد بعد خروجها من مؤشر “جيه بي مورغان”

اندلعت متاعب مصر في أسواق الدين بشكل أكبر بعد أقل من 3 أشهر من إدراجها على قائمة المراجعة السلبية لدى بنك “جيه بي مورغان” الأميركي، حيث قرر البنك استبعادها من مؤشره للسندات الحكومية في الأسواق الناشئة اعتباراً من 31 يناير/كانون الثاني الحالي.

وتكمن الصعوبات التي تواجهها الحكومة المصرية في عدم قدرتها على تصحيح أوضاعها للحفاظ على مكانتها ضمن المؤشر. حيث باءت جهودها الحثيثة للعودة إليه بالفشل، بعد أن تم استبعادها منه لأول مرة عام 2012 بسبب التحديات الاقتصادية التي نجمت عن ثورة يناير 2011.

وأعلن بنك “جيه بي مورغان”، وهو أحد أكبر البنوك في الولايات المتحدة، أن هذه الخطوة تأتي نتيجة لتزايد المشكلات الاقتصادية في مصر، حيث كانت البلاد قد وضعت تحت المراقبة منذ 21 سبتمبر/أيلول 2023، بسبب صعوبات تحويل أموال المستثمرين إلى العملة الصعبة للخارج.

خروج سريع بعد غياب طويل

تشير التطورات الأخيرة إلى تصاعد التحديات التي تواجه مصر في أسواق الدين، حيث قرر بنك “جيه بي مورغان” الأميركي استبعادها من مؤشر السندات الحكومية في الأسواق الناشئة بعد أقل من 3 أشهر فقط من إدراجها على قائمة المراجعة السلبية. يعزى هذا القرار إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية في مصر، حيث لم تتمكن الحكومة من تصحيح أوضاعها للحفاظ على مكانتها في المؤشر.

بالإضافة إلى ذلك، شهدت نسبة وزن مصر في المؤشر العالمي تراجعًا إلى 0.61% حتى نهاية العام الماضي، حيث تمتلك البلاد 13 سندًا بالجنيه المصري في المؤشر بآجال استحقاق تمتد من 2024 إلى 2030. يأتي هذا التراجع كتأكيد للاستمرار في تراجع الوزن النسبي منذ إدراج مصر في فبراير 2022، والذي بلغ حينها 1.85% ثم انخفض إلى 1%، مما يجعل استمرار مصر في المؤشر مرهونًا بالعودة إلى النسبة الأصلية.

في هذا السياق، تجاهل بنك “جيه بي مورغان” جهود الحكومة المصرية للعودة إلى المؤشر، حيث وضع السندات المصرية المقومة بالجنيه تحت المراجعة السلبية بعد نحو عام ونصف من عودتها بنجاح في فبراير 2022. وأشار البنك إلى عقبات تحول دون تحقيق المستثمرين لتحويل أموالهم إلى العملة الأجنبية، مما أدى في نهاية المطاف إلى حذفها من قائمة المؤشرات.

من الجدير بالذكر أن مصر كانت واحدة من اثنتين فقط في المنطقة الشرقية وأفريقيا المدرجتين في مؤشر “جيه بي مورغان”، وكانت هذه المدرجة حينها كـ”شهادة ثقة جديدة من المستثمرين الأجانب في صلابة الاقتصاد المصري”. وعلى الرغم من جهود وزارة المالية المصرية التي استمرت لثلاث سنوات في التفاوض مع البنك، إلا أنها لم تتمكن من تجاوز العقبات، مما أدى إلى إلغاء انضمام مصر إلى المؤشر.

ماذا فقدت مصر بخروجها من المؤشر؟

يرى خبراء الاقتصاد الذين تحدثوا إلى الجزيرة نت أن مصر فقدت بالفعل الثقة، ليس فقط من قبل المستثمرين، بل أيضًا من قبل معظم المؤسسات المالية الدولية التي خصصت لها تصنيفات منخفضة، مما يعكس الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه البلاد منذ فبراير/شباط 2022.

في هذا السياق، لم تكن هناك ردود فعل رسمية من مصر حتى الآن حول قرار خروجها من المؤشر، وهو ما يعتبر استثناءً من العادة. ولكن كان بقاءها في المؤشر سيمنحها ميزة إضافية في جذب المستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين، والتي تعتبر مصدرًا رئيسيًا لتوفير التمويلات اللازمة للاحتياجات الأساسية بالعملة الصعبة.

عبد الخالق فاروق، خبير اقتصادي ومدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية السابق، يشير إلى أن خروج مصر من المؤشر يعكس عدم قدرتها على الالتزام بالمعايير المطلوبة للبقاء ضمن هذا المؤشر الذي يُعتبر مدخلًا مهمًا لأسواق الدين.

وفيما يتعلق بالتأثير المتوقع على مصر، يُوضح فاروق أن مؤشر “جيه بي مورغان”، الذي ينتمي إلى مؤسسة هامة ويتخذ قرارات بشأنه، سيجعل من الصعب على الحكومة المصرية الوصول إلى أسواق الاقتراض وطرح سندات دولارية، مما يُعقّد مهمة الحصول على قروض جديدة ويؤثر سلبًا على الوضع الاقتصادي العام في مصر. ويُضيف أن الحكومة لا تهتم سوى بالاقتراض، وإذا لم تحظَ بتقييم إيجابي من هذه المؤسسة أو غيرها من مؤسسات التقييم المالية، فإن فرص الاستفادة من وجودها في المؤشر تتضاءل.

ويؤكد أن مصر لن تستفيد إلا إذا تمت تقييمات إيجابية من قِبل تلك المؤسسات، مُشيرًا إلى أن تقييم “وضع مستقر” يمنحها مساحة أكبر للولوج إلى الأسواق الدولية.

دعم دولي لمصر

قرار استبعاد مصر من المؤشر، الذي يُظهر النظرة السلبية نحو الاقتصاد المصري، يأتي في سياق يعتبر حساسًا، خاصةً مع التعهدات الأخيرة من وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، بدعم اقتصاد مصر. يأتي هذا الدعم في إطار المحادثات حالية بشأن زيادة قرض صندوق النقد الدولي للقاهرة، الذي يبلغ قيمته 3 مليارات دولار.

تأتي هذه التطورات في الوقت الذي تواجه فيه مصر الآثار الاقتصادية للتوترات المستمرة جراء حرب إسرائيل على غزة. وقد أعلنت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، في تصريحاتها في نوفمبر الماضي، عن دراسة الصندوق زيادة قيمة القرض المُخصص لمصر، نظرًا لتأثير هذه التحديات الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد نتيجة للاضطرابات الدائرة في المنطقة، وتحديدًا حرب غزة التي تستمر للشهر الرابع على التوالي.

يُعتبر قرار استبعاد مصر من المؤشر خطوة تُعزز من التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، في حين يعكس التزام الولايات المتحدة بدعم مصر من خلال تعهدها بدعم الاقتصاد المصري وزيادة التمويل المقدم من صندوق النقد الدولي.

فرصة لا تعوض

استبعد الباحث في الاقتصاد السياسي ودراسات الجدوى والتنمية، مصطفى يوسف، قرار استبعاد مصر من مؤشر “جي بي مورغان” بأنه “ضربة قوية” تؤثر على قدرتها على جذب التمويل وتضعف ثقة المستثمرين الدوليين في السندات الحكومية. يشير إلى أن ذلك يؤدي إلى تخفيض قيمة الفوائد وتشجيع على الاستثمارات المباشرة، مما يسهم في خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات وتقليل تكلفة الواردات.

ويعتبر يوسف أن وجود مصر في المؤشر كان فرصة لا تُضاهى، ورحيلها يُرى كرسالة سلبية لعالم المال والأعمال وللمستثمرين الأجانب، مُشيرًا إلى أنه يُظهر عدم جدية أو حقيقة الإصلاح الاقتصادي الذي تقوم به الحكومة المصرية. يبرز أهمية تحقيق إصلاح اقتصادي حقيقي بدلاً من التركيز على خفض الدعم وتقليص أعداد الموظفين.

فيما يتعلق بعدم قدرة مصر على الحفاظ على انضمامها إلى المؤشر، يُشير يوسف إلى تشتت دائرة اتخاذ القرارات الاقتصادية وعدم قدرتها على إدارة الملف بشموليته. يُذكر أن عدم الالتزام بمعايير المؤشر وتكرار شكاوى المستثمرين وعدم توفير العملة الصعبة كانت أسبابًا رئيسية للاستبعاد. ويضيف أن التجاوب غير الكافي مع هذه المعايير وعدم التفاعل مع شروط صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلى عدم التسامح مع مرونة قيمة الجنيه، تسببت في هذا الخروج.

تجاوز حجم الدين الخارجي لمصر مستويات قياسية وصلت إلى حوالي 165 مليار دولار، مع 29 مليار دولار منها مستحقة في عام 2024. يتعامل البنك المركزي المصري مع شح النقد الأجنبي من خلال خفض قيمة الجنيه وسط انخفاض حاد في قيمته.

زر الذهاب إلى الأعلى